يُعدّ تحريم الغرر أحد أهمّ ركائز التمويل الإسلامي، ومنه تنبثق العديد من القواعد والإرشادات في المعاملات والمنتجات المالية الإسلامية.
الغرر في اللغة العربية يعني الخطر. وفي الشريعة الإسلامية، يُشير إلى وجود عنصر مجهول في عقد المقايضة يُمكن أن يُؤدي إلى نزاع بين الطرفين، أو فقدان حقّ أحدهما، أو إلحاق الضرر بأحدهما. ومن أمثلة الغرر عدم معرفة السلعة أو سعرها النهائي معرفةً كاملة. ويُقصد بـ”عقد المقايضة” العقد الذي يُقدّم فيه شخصٌ شيئًا مقابل الحصول على شيء آخر، كعقود البيع والإجارة.
هناك إجماع على تحريم الغرر عمومًا، مع وجود بعض الاختلاف في بعض التفاصيل. وقد ثبت تحريم الغرر بحديث أبي هريرة في صحيح مسلم: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصى وعن بيع الغرر». كان بيع الحصاة شكلاً شائعاً من أشكال البيع بين العرب، حيث يرمي المشتري حصاة على سلعة ما بعد أن يقول له البائع: “بعتُك ما تسقط عليه الحصاة”. وكان هذا نوعاً من الغرر، لأن المشتري، عند إبرام العقد، لم يكن على دراية بالسلعة التي يشتريها. ومن الجدير بالذكر هنا أن العقد في الشريعة الإسلامية يُمكن إبرامه باتفاق شفهي، ولا يُشترط وجود وثائق.
“من الأمثلة الشائعة على عقود الغرر في العصر الحديث عقد التأمين التقليدي”.
للغرر أشكال عديدة
أحدها بيع سلعة لم يرها المشتري ولم يعرف وصفها وصفاً وافياً يزيل جهله بها. على سبيل المثال، قد يقول أحدهم لآخر: “هل تشتري بيتي كذا وكذا؟” – مع أن المشتري لم يره ولم يعرف مواصفاته، فيوافق على البيع، فيتم إبرام العقد بهذه الطريقة. أو قد يطلب مشترٍ سلعة عبر الهاتف وهو لم يرها ولم يعرف خصائصها. أو أن يُبرم شخصٌ عقد عمل دون معرفة العمل المطلوب تحديدًا. كل هذه العقود محظورة وباطلة لجهله بالسلعة أو الخدمة موضوع العقد.
ويقترب من ذلك بيع سلعة مبهمة ضمن سلع معينة، كأن يقول: بعتُك بقرة من هذا القطيع دون تحديد البقرة، أو شجرة من هذا البستان دون تحديد الشجرة، وكذلك بيع الحصى المذكور سابقًا.
ومن أنواع الغرر الأخرى الجهل بالسعر لحظة إبرام العقد، كشراء سلعة عبر الهاتف ومعرفة سعرها عند استلامها، أي بعد إبرام العقد، أو شراء شقة بالتقسيط مع احتمال ارتفاع سعرها خلال فترة التسليم، فيتجاهل المشتري السعر النهائي، أو إبرام عقد عمل دون معرفة الأجر، أو الحصول على خدمة من شخص كإصلاح جهاز أو خياطة ثوب دون معرفة التكلفة مسبقًا. جميع هذه العقود محرمة وباطلة بسبب الغرر الناجم عن الجهل بالثمن.
ومن أنواع الغرر الأخرى بيع شيء غير موجود بعد. وهو غرر لعدم معرفة ما إذا كان سيوجد أم لا. ومثال على ذلك بيع الحمل في بطن البقرة قبل ولادته، وهو أمر شائع في الريف. وقد ورد في الحديثين الصحيحين: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع جنين البهيمة». وذلك لعدم اليقين من خروجه حيًا، وإن خرج حيًا، فهل سيكون سليمًا أم مريضًا، ذكرًا أم أنثى… إلخ. ومن أنواع بيع الأشياء غير الموجودة بيع المنازل قبل بنائها، وهو أمر شائع في العقارات، إذ قد يعيق أي عائق إتمام البناء. والبديل عن هذا البيع هو عقد الاستصناع، كما سيُشرح في مقال آخر إن شاء الله.
مثال آخر على بيع سلعة غير موجودة هو ما يفعله المزارعون ببيع ثمار مزرعة معينة لسنوات قادمة. هذا غرر لأن هذه الثمار غير موجودة الآن، وبالتالي لا يمكن إبرام عقد على شيء غير مؤكد. في الواقع، تحظر الشريعة بيع الثمار على الأشجار قبل نضجها، لأنه في ذلك الوقت قد تصيبها آفة أو مرض، ويكون المشتري قد دفع ماله عبثًا. هاتان المعاملتان مثالان على الغرر، وهما محرمتان.
نوع رابع من الغرر هو بيع ما لا يمكن تسليمه، كأن يبيع شخص سيارته المسروقة على أمل أن يجدها، أو هاتفه المفقود. ومن أنواع الغرر أيضًا الجهل بمدة العقد، أي أن المشتري لا يعلم متى سيستلم السلعة، أو البائع لا يعلم متى سيستلم الثمن. كل هذا غرر لأن المدة غير معروفة.
من الأمثلة البارزة على عقود الغرر في العصر الحديث عقد التأمين التقليدي، حيث يدفع المؤمن عليه أقساط التأمين حتى إذا تكبّد المؤمن خسائر، فإنه يحصل على مبلغ يغطي تلك الخسائر مقابل الأقساط التي دفعها. مع ذلك، لا يعلم مقدار المبلغ الذي سيدفعه لأنه يعتمد على وقت وقوع الخسارة، ولا مقدار المبلغ الذي سيحصل عليه تحديدًا لأنه يعتمد على حجم الخسارة، وإذا لم تكن هناك خسائر، فلن يحصل على شيء. وقد أجمعت المجالس الفقهية على شرعية هذا العقد. وللتأمين بديل مشروع هو عقد التكافل، وهو عقد قائم على التكافل والتبرع، ولا يتأثر هذا العقد بوجود بعض الغموض، لأن الغموض ممنوع فقط في عقود المقايضة كما ذُكر سابقًا، حيث يطلب كل طرف مقابل ما قدمه، على عكس عقود التبرع القائمة على التنازل.
وبالمثل، يُعدّ خيار الشراء مثالًا على الغرر في معاملات سوق الأوراق المالية. ففي هذا النوع من العقود، يدفع الشخص مبلغًا معينًا من المال ويحصل على خيار شراء أسهم معينة بسعر ثابت طوال مدة الخيار. إذا ارتفع سعر السهم خلال تلك الفترة فوق السعر المتفق عليه، فسيشتريه لإعادة بيعه والاستفادة من فرق السعر. أما إذا انخفض السعر، فلن يشتريه لأنه سيشتريه بسعر مرتفع ويبيعه بسعر منخفض. وهذا يُعدّ غرراً، لأن الشخص يدفع المبلغ على أمل الحصول على تعويض، وهو لا يعلم إن كان سيحصل على ذلك التعويض أم سيخسر ماله.