في المجتمعات القديمة، كان البيع والشراء يتمان عن طريق المقايضة. ثم اختُرع المال لاحقًا لتسهيل تقييم وتبادل السلع والخدمات. ويُعدّ هذا الدور للمال أساسيًا في الشريعة الإسلامية والتمويل الإسلامي. فوظيفة المال في الشريعة هي أنه معيار لقيمة الأشياء ووسيلة للتبادل، سواء كان التبادل فوريًا أو بالدين.
قال ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ): “لما تعذّر إدراك التساوي (في القيمة) بين الأشياء المختلفة في ذاتها، استُخدم الدينار والدرهم لتقييمها، أي لتقدير قيمتها النسبية” (ابن رشد، بداية المجتهد). ويشير ابن رشد هنا إلى وظيفة المال كمعيار لقيمة الأشياء.
قال الغزالي (ت ٥٥٥ هـ) عن الذهب والفضة، وهما العملتان الرئيسيتان في عصره: «خلقهما الله تعالى ليتداولا بين الأيدي وليحكما الأموال بالعدل، ولسبب آخر، وهو أن الناس بهما يصلون إلى كل شيء، لأنهما ثمينان ولا غاية لهما في ذاتهما (…) من امتلكهما فكأنما امتلك كل شيء» (الغزالي، إحياء علوم الدين). ويعني بذلك أن من يملك المال يستطيع الحصول على أي سلعة بسهولة، لأن المال يحل محل أي سلعة، وهذه الخاصية لا توجد إلا في المال. وقوله «يتداولان بين الأيدي» يشير إلى ميزة سيولة المال، وقوله «يحكما الأموال بالعدل» يشير إلى استخدام المال في تقدير القيم النسبية الحقيقية للأشياء. وقوله «لا غاية لهما في ذاتهما» يدل على أن المال ليس لذاته، بل للوصول إلى السلع والخدمات.
لا يولد المال مالاً إلا إذا كان يرتبط المال بإنتاج سلعة أو خدمة حقيقية. فلو أصبح غايةً في حد ذاته لتحقيق الربح، لتعطل الإنتاج والعمل، إذ لن يكون هناك حافز للاستثمار في النشاط الحقيقي طالما أن المال يُدرّ ربحًا بذاته.
وبناءً على ذلك، فإن المال ليس مُصممًا لتحقيق الربح بذاته. ولا يجوز التربح من تبادل المال بالمال أو تأجيره. إنما يُدرّ المال مالًا فقط عندما يرتبط بإنتاج سلعة أو خدمة حقيقية. فلو أصبح المال غايةً في حد ذاته لتحقيق الربح، لتعطل الإنتاج والعمل، إذ لن يكون هناك حافز للاستثمار في النشاط الحقيقي طالما أن المال يُدرّ ربحًا بذاته. وهذا من شأنه أن يفتح الباب أمام التلاعب بالمال من قِبل قلة، ويُسبب تقلبات في الأسعار، مما يُزعزع استقرار الأوضاع المالية للناس. سيزداد الأغنياء غنىً ويزداد الفقراء فقرًا. ولذلك قال ابن القيم (ت 751 هـ): “إن العملات ليست مُصممة لذاتها، وإنما مُصممة للوصول إلى السلع. فإذا أصبحت سلعةً مُصممة لذاتها، ساءت أمور الناس”. «يفسد» (ابن القيم، علم المواقع).
تجلّى دور المال في الشريعة الإسلامية في أحكام التمويل الإسلامي بأشكالٍ عديدة، منها: أن أي زيادة مطلوبة في القرض تُعتبر ربا، وينطبق هذا على فوائد البنوك والسندات. كما لا يجوز استبدال الذهب بالذهب أو العملة بنفسها مع وجود فرق في القيمة. كذلك، لا يجوز بيع الدين نقدًا إلا إذا كان النقد مساويًا لقيمة الدين. ولا يجوز تقديم ضمانات مقابل عائد.
وقد اتفق الاقتصاديون الغربيون عمومًا مع علماء الإسلام في هذا المفهوم لدور المال. فقد نصّوا في القرن التاسع عشر على أن للمال الوظائف الثلاث المذكورة في كتب الاقتصاد والتمويل: فهو وسيلة للتبادل، ووحدة لتقييم الأشياء، ومخزن للقيمة بمعنى أنه يُدّخر ويحفظ قيمته لاستخدامه في المستقبل (وهذا الأخير مبني على افتراض انعدام التضخم أو انخفاضه). مع ذلك، فإن حقيقة أن المال ليس يُعدّ مفهوم السلعة أمرًا راسخًا في النظرية الاقتصادية الوضعية، إلا أن التطبيق العملي قد تخلى تمامًا عن هذا المبدأ، وأصبح يتعامل مع المال كسلعة.
في الوقت الحاضر، يعتمد الاقتصاد والتمويل بشكل كبير على هذه النظرة الجديدة للمال، كما يتضح جليًا في النظام المصرفي. فالبنوك لا تعمل إلا كمقترضين ومقرضين للأفراد والشركات والحكومات والبنوك الأخرى. في الواقع، تُقرض البنوك أكثر بكثير من الأموال النقدية التي تتلقاها من المودعين، وذلك في صورة ودائع جديدة تُقدمها البنوك للمقترضين، والتي يمكنهم سحبها في أي وقت، مما يُؤدي إلى ما يُسمى بخلق النقود. وتجني البنوك فوائد مضاعفة على هذه القروض الجديدة.
يستند كل هذا إلى فكرة أن المال سلعة. بل إن العديد من أنصار الفائدة المصرفية اليوم يُجادلون بأن المال سلعة كأي سلعة تُباع وتُؤجر، وبالتالي له ثمن؛ وذلك لتفسير الفائدة على أنها ثمن أو رسوم على المال. من الواضح أن هذه الحجة خاطئة من منظور الشريعة والاقتصاد على حد سواء، ولها آثار سلبية بالغة على الاقتصادات والمجتمعات.